بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 19 يوليو 2016

الشيخ الخديم في رمضان

💬 : 0 comment

رمضان شهر الهدى والفرقان، شهر التقوى والرضوان، فهو مهرجان الخيرات والأنوار، وموسم الاشعاعات 
الروحانية، والتجليات العرفانية، والنفحات الربانية، و فرصة ذهبية نادرة للتطهر والتقرب من الحضرة القدسية، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يعظم شانه ، ويحتفل بقدومه الميمون، وينبه أمته إلى اكتساب الخيرات فيه، والإستعداد فيه للتزود بالتقوى فيقول : ( إن هذا الشهر قد حضركم ، وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا المحروم ) صحيح سنن ابن ماجة .
رمضان شهر الهدى والفرقان، شهر التقوى والرضوان، فهو مهرجان الخيرات والأنوار، وموسم الاشعاعات الروحانية، والتجليات العرفانية، والنفحات الربانية، و فرصة ذهبية نادرة للتطهر والتقرب من الحضرة القدسية، وقد كان النبى صلى الله عليه وسلم يعظم شانه ، ويحتفل بقدومه الميمون، وينبه أمته إلى اكتساب الخيرات فيه، والإستعداد فيه للتزود بالتقوى فيقول : ( إن هذا الشهر قد حضركم ، وفيه ليلة خير من ألف شهر من حرمها فقد حرم الخير كله ولا يحرم خيرها إلا المحروم ) صحيح سنن ابن ماجة .

وفي رواية اخرى” : يا أيها الناس قد اظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله تعالى صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه. ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه. وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد رزق المؤمن فيه، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار، وكان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجره شيء.”
وكان صلى الله عليه وسلم يقول ” : إذا كانت أول ليلة من رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب ونادى مناد : يا باغى الخير أقبل ويا باغى الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك فى كل ليلة .”
وقد جسد لنا العبد الخديم هدي المصطفى في سيرته الطاهرة ، فكان قمة الروحانية العليا، والإشراقة المستنيرة، وقد بين كيف يجب على المريد ان يعيش هذا الموسم الرحماني ، وكيف يستغله على احسن وجه للتخلية والتحلية ، والمجاهدة والتصفية، للاتصاف بالمحامد والاوصاف النبيلة ومكارم الأخلاق، أو بكلمة واحدة ” التقوى” التي كانت الغاية الأسمى من وراء تشريعه” لعلكم تتقون”

فقد كان رمضان بالنسبة اليه مهرجانا للعبادة والتقرب الى الله تعالى بالصيام والقيام، والتلاوة والصلاة، وإحياء أوقاته بالقرآن والإنفاق والصدقة والبِرّ والمعروف، وكان شهر الصيام شهر عيد له، ويَعُدّه خليلا وحبيبا كأنه يتشخّصُ أمامَه والحال في نفس الأمر قد يكون كذلك عند أولي البصائر كما يقول صاحب المنن :
ياخير ضيف اتى بالبشر والمدد أهلا وسهلا وترحيبا بلا عدد
ياذا البشارات بالآيات والسور لي اشهد بكوني عبد المحسن الصور
                                        ٍٍٍٍٍٍٍَِِ
وبمناسبة اطلالة هذا الشهر الفضيل ، يسر لأعضاء التحرير في موقع ويكي مريدية أن يعودوا بكم الى قراءة سيرة الشيخ الخديم في هذا الشهر الفضيل من أوثق المصادر، لعلها تكون لنا زادا وعبرة نستفيد منها في إحياء هذا الشهر المبارك على الوجه الذي يليق به .

كيف كان يستعد لرمضان:

كان إذا دخل شعبانُ يُشَدّدُ في المواعظ ،ويُكرّرُ الزجْرَ عن اللهو واللعب لقومه، ويُهيّئُ فيهم التأهّب للدخول في الشهر المبارك. فكان لا يجلس مجلسا إلا ويذكر مكر إبليس وغائلتهَ ويقول : { دوموا علي تفقد قلوبكم وحبس جوارحكم، فإن العدو قد علم باقتراب حبسه ،لأنه يُحبَس إذا دخل الشهر فهو يحرُص كل الحرص علي أن يُفسِدَ عليكم دينَكم ، وأن يبذُر في قلوبكم بذورَه لتنمو فيها ، فلا تتمكنوا من محوها واستئصالها ، لتصفوَ الأفئدة وتصلح لواردات المواهب، فإن أبواب السماء تبقى مفتوحة الشهرَ كله لترتفع الأدعية وتنزُلَ الإجابات، الحَذَرَ الحَذر من العدوّ فإنه مُشرِفٌ علي قلوبكم، يترقّبُ غفلتها ليُلقِيَ فيها بذْرَ رذائله . }
        فبمثل هذه النصائح يُذكّرُكم وكذلك يشغل أهل تربيته شغل متواليا بالتلاوة لأهلها، والخدمة لذويها ، والتعاليم في مجالسه للجميع ، حتى لا يكون لأحد فراغٌ للبطالة، فيدخُلَ منه الشيطانُ قائدُ البَطّالين.

  بعد استهلال الهلال:

ثُم أنه إذا استهلّ الشهرُ يوصي الناسَ بالإحسان فيه ، والاجتهاد في القربات، والاجتماع لصلاة التراويح، ويواصل إعانته للجميع من كل ما يحتاج إليه الصائم :
  • فالعامة يُطعمهم بغُرَر الجفان ثريدًا، وأرزا، وتمرا، وسكرا ، موائدَ مبثوثة تجتمع عليها مئات من الغرباء وألوفٌ من الجيران . أما سِقاية الفُطور كل ليلة فحَدّثْ عنها ولا حرج، تُمل أحواضا عظيمة من ألذّ الشراب متفرغة لا يحجز عنها قريبٌ غريبا بل هي مُشاعَة بين المسلمين, كل ليلة. وقُدُور الشاه والقهوة منصوبة لا تخمد نيرانُها ما لم يحرُم الطعامُ من الفجر.
  • والخاصّة وهم جماعات ، والضيوف وهم ثُباتٌ ، يُرَتّبُ لكل بانفراده أو بمن يناسبه فطورا معينا يأتيهم علي فرشهم أو يزيد في إكرامهم أن يناديهم فيحضروا معه ، وذلك ألذ عندهم من ألذ طعام وضِعاف العجائز يتفقدهن كما يقوم بأمور رؤساء القبائل، والغلمانُ يُبشّرُهم ، وذوي القربَى يُدنِيهم، وأشياخ المريدين يُشاورهم ويُكرمهم ، والعلماء يرفعُهم . فبالختصار يُنزل جميع الناس منازلهم ويُرَقي هِمَمَهم جميعهم بلطف وتهذيب يحبب إليهم مولاهم ويُطيّب عنده لوجهه تعالي مثواهم.

لا يرى في رمضان الا متهللا :

وكان من عزة شهر الصوم عليه أنه لم يُرَ قط فيه إلا متهللا ولا يحتجب إلا نادرا، بل يخرج للعامّة وقد يخص به للخاص ، وفي جميع مجالسه يشغلُ يدَه البذلُ والإنفاق، ولسانُه الشكر والتبشير، لا ينتهر ولو أهل تربيته إنما يلطفهم بالإرشاد ملاطفة، على أنه لا يقبل لأحد أن يشتغل بأمر ما من أمور الدنيا المباحة ، بل يَعْطِفُهم إلي الدينية المحضة . ويقول إذا أريد لأمر ما من أمور العادة المباحة بلطف : (نعم ) ولكن يهون علي مريدِ حاجةٍ التريّثُ لنقضاء هذا الشهر الكريم أو يقول (نعم) حتى يأتيَ شهرُ الفطر إن فهِمَ من مُحاولة المتكلم الإلتواءَ للعادة .

سخاؤه وجوده في رمضان :

أما بذْله فتستوي فيه الأيامُ والشهور،إلا أنه في شهر رمضان أجود لأنه قد يشغُله من أنواع عبادته شاغل يكون أهمّ في وقته من معاملة الخلق وفي هذا الشهر يُقدّمُ الإنفاقَ وأنواع البر علي غيره من النوافل .

الإنشغال بالقرآن تلاوة ورسما :

وكان يشتغل بالقرآن والتكلّم علي معانيه، ويَشغُلُ أهلَ تربيته به شُغْلا مُضاعَفاً علي ما كانوا عليه من التلوة والكتابة .ولا تنس أنه إنما خصّ الحافِظين لخدمة القرآن تلوة كل يوم مرّاتٍ خَتَمَاتٌ أو انتساخ مصاحف، أو نسخ مصحف كلّ بانفراده ،أو الجماعاتُ يشتركون فيه ، حتى بلغ جَدّهم في ذلك وتمَرّنُهم عليه أن يكتبوا مصحفا في أسبوع أو أقل، ويكون علي غاية الجودة وصِحّة الرّسْمِ، وفي جميع دهره أزيَدَ من أربعين سنة . بيد أنه في هذا الشهر لا يترُكهمُ يتنفّسون من العمل بالقرآن.

التهجد وقيام الليالي :

وكان رضي الله عنه لا يفتُر عن قيام لياليه، فهو يُصلي بأهله داخل الدار ما شاء الله أن يصلي، وأقله ثلاث عشرة ركعة ،بعد أن يترك ــلأهل المسجد العام بعد صلاة العشاء ــ من يقوم بهم، ثم ينفرد بنفسه يتلو ويصلي علي النبي صلي الله عليه وسلم، أو يكتب من مناجاته الربانية .وهذا عامّ في جميع زمانه، إنما يتضاعف الكلّ في الشهر المبارك ، مع السرور والحبور، وصلاتُه لأهله في مسجدهن الخاص داخل الدار معهن في ذلك أكثرُ نساء المريدين تبركا بإمامته يكنّ في المسجد، وهو في محراب يفصل بينه وبينهن حائل، يسمعْنَ منه حركته وصوته ،ولا يرين شخصه .

قرُباتهَ في رمضان:

وإنما تترجّح قرُباتهَ كلّها قربة إحياء القرآن والإنفاق والصدقة والبِرّ والمعروف في أيام هذا الشهر، وما ذاك إلا لمعنى عظيم من معاني حاله صلي الله عليه وسلم التي فهمتها عنه الصّدّيقيّة رضي الله تعالي عنها .
وقد أثمر له هذا الصدقُ والتحقّقُ في الإتباع منازلت عزيزة ولطائف كريمة ومواهب جليلة يُعرَف بعضُها مما يُعثرَ عليه من مناجاته السّيريّة وأبكاره المخدّرة وبعضها لا يظهر إلا “يوم تُبلى السرائر ” “يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسمعَى نورُهمم بين أيديهم وبأيمانهم “

الإعتناء بإمام التراويح :

وكان رضي الله عنه شديد الإعتناء بإمام التراويح ،والنظر لصحة حفظه وضبطه وإتقانه وإجادته التجويدَ ، وكان كثير التفقّدِ له ولأحواله ومعيشته والرّفقِ به ، ولا يستهلّ شوالٌ إلا وحثَي له كن الأموال حَثْيًا يُغنيه عن الغير حياتَه ولا يحول عطاء اليوم دون غد. فظهر أيضا من هذين الأمرين اختصاصه بكمال ميراث مخدومه صلي الله عليه وسلم ، وهما تضاعفُ جوده وتجدّدِ إحيائه للكتاب العزيز إحياء شامل لجميع أنواعه في نفسه وفي قومه .
ففي الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلي الله عليه وسلم كان جبريلُ يُعارضُه القرآنَ في شهر رمضان وكان أجود بالخير فيه من الريح المُرسَلة بالمعنى .

 

شهر رمضان في مَايُنْبَا :

تراه يوم استهل عليه شهر رمضان في”مَايُنْبَ” تلك الجزيرةُ التي ليس فيها مسلم ولا من يُريد الإسلام، غُرّبَ فيها بعد إقبال الدنيا عليه بغتة، ليس معه أنيس ول من يشفق عليه، ولكن بين قُسَاةٍ يندَهِشون إذا رأوه يصلي، وبعضهم يضحك لجهلهم بها، والحكومة لا تُضمِر له خيرا، ولا تكُفّ عنه يدًا.
ألا تراه لما استهل الشهر انشرح وارتاحت نفسه بما استقبله من الأيام الفاضلة والليالي المعظمة، خصوصا ليلةُ القدر التي هي خير من ألف شهر, هامَ واهتزّ وأنشأ ارتجالا:
يا خير ضيف أتى بالبشر والمَدَدِ * أهل وسهل وترحيبا بل عَدَدِ
إلي أن قال فيها
يا شهر رب كريم فيك جاد لنا * بليلة القدر ذات الفضل والرغد
إلي أن قال في الرائية التي معها
فجأتَني يا خليلي بالسرور هنا * عند العِدَى ذا اغتراب فانتفى كدري
وهما قصيدة واحدة لولا القافية لأن باعثهما واحد، نعم انتفى كدَرُه لأنه استقبله الشهرُ مكاشَفًا له في ملكوت الله تعالي ومنازل عباده المخلصين، وعظم ما ينازل به من المطالعات الخفية في أسرار القرآن ومصائر الأمور بيد الله، ما تتصاغر معه تلك البحور والأمواج، والسّفن والأفواج، والصّخور والرّمال، والحكّام والأقيال، إلى حَدّ العَدَم.
هكذا الرضا بالقضاء والشكر علي البلاء فكان جزاؤه في النهاية البيتَ المتقدم:

فاجأني في رمضان العظم * بكن وباسمه العظيم العظم
ألا ترى الإكرام ب“كن فيكون” يستحيل علي من أكرِم بهذه الخصال لا والله، “إن رحمة الله قريب من المحسنين ” . “وما كان عطاء ربك محظورا “

يوم الفطر في مايُنْبَ:

وإذا أدار الله أمرا هيّأ له أسبابه، كان رضي الله عنه يتعجب ويضحك من الدنيا، إذ ذكر هذا الشهر الذي أتاه في” مايُنْبَا ” ويقول : (كان يوم الفطر في العام الذي قبل هذا العام صلينا صلاة الفطر في فضاء واسع في طوبى .
قلت} وكان زحام الناس وكثرتُهم وحرصُهم علي قُربه فائق الحَدّ حتى كانوا يتدافعون تدافعا شديدا للاختصاص بفرش سَجّادتِه، فصلوْا ولا كاد يُسمعهم صوتا لكثرة الوفود والزوار من كل ناحية .
قال: (ولم يأت عليّ من قابل حتى صليت في محل يعوزني في يوم العيد دجاجة أذبحُها، وحين وقفتُ للصلاة نظرت لجهتي اليمين والشمال، فما رأيت إنسانا يريد الصلاة، إن هذا لعجب من أعجوبات الدهر.
قال} ولَعَجَبيِ من صُنع الله ولطفه أشد، فإني نظرت في نفسي فلم أجد في قلبي فرقا بين الصلاتين).

فإنه رضي الله عنه لا بذات الأبّهَةِ يفرح، ولا لذات الغربة النائية يحزن ويتألم ، وكان أسارَي الدنيا أعداء الذين يضحكون منه، (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون )، وهو يسخر منهم لاستدراج الله إياهم من حيث لا يعلمون ، (إن تسخر منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون )

في قصيدتي يا خير ضيف ويا ذا البشارات:

وخرج ذات يوم للقاء الناس ودعا رجلا قد تعوّد القراءة لكثير من القصائد عند خروجه بإذن منه رضي الله تعالى عنه اسمه “محمود فال[1]“، فأمره بقراءة “يا خير ضيف” إلخ ، فلما أتمها قال له اقرأ شقيقتها “يا ذا البشارات” فلما أتمها قال: “إنهما من البحريّات، فالأولى قلتها عند رؤية الهلال من رمضان، والثانية قلتها عند انسلاخه، مع أني لم أر بعيني مطبوخا في المدة التي بين الياءين ، وهذا شيء قليل مما تضمنته البحريّات.
تم تلخيصه من :
  • Ø   كتاب منن الباقي القديم في سيرة الشيخ الخديم للشيخ محمد البشير
  • وجوامع الكلم فيما ورد عن العبد الخديم من علوم وحكم لمؤلفه العلامة سرين صل

[1]  هو والد مصطفى فال بنت في بدوا دكار ، هو من الموريتانين السود ، جاء مع الشيخ من موريتانيا بعد الغيبة البرية ، واستقر معه في جربل  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق